الفيض الكاشاني
113
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
الحلال والحرام ونقتصر الآن على حكايات يعرف وجه الوعظ وكيفيّة الإنكار عليهم » . أقول : ما ذكره من الحكايات إنّما هو في حسبة أهل الضلال على الجبابرة طلبا لمزيد الجاه والقبول عند العامّة لشهوة خفيّة كانت فيهم ورعونة كامنة في أنفسهم ومنهم من ألقى نفسه في التهلكة وتعرّض لنهي اللَّه سبحانه وسخطه سفها منه وحماقة زعما منه أنّه ينال بذلك رتبة الشهادة ، مع علمه بأنّه لا يؤثّر وعظه وإنكاره في الارتداع بل يصير سببا لهلاكه فلا فائدة في إيراد أمثال هذه الحكايات مع أنّ مثل هذه الحسبة يختلف حكمه باختلاف الأزمان والأحوال والأشخاص فلنقتصر منها على واحدة ليست عمّن هو من أمثالهم وهي ما رواه عن ابن المهاجر قال : قدم أمير المؤمنين المنصور مكَّة ونزل في دار الندوة وكان يخرج من دار الندوة إلى الطواف في آخر اللَّيل يطوف ويصلَّي ولا يعلم به ، فإذا طلع الفجر رجع إلى دار الندوة وجاء المؤذّنون فسلَّموا عليه وأقيمت الصلاة فيخرج فيصلَّي بالناس فخرج ذات ليلة حين أسحر فبينا هو يطوف إذ سمع رجلا عند الملتزم وهو يقول : اللَّهمّ إنّي أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحقّ وأهله من الظلم والطمع ، فأسرع المنصور في مشيه حتّى ملأ مسامعه من قوله ثمّ رجع فجلس ناحية من المسجد فأرسل إليه فدعاه وأتاه الرّسول فقال : أجب أمير المؤمنين فصلَّى ركعتين واستلم الرّكن ، وأقبل مع الرّسول فسلَّم عليه ، فقال له المنصور : ما هذا الَّذي سمعتك تقوله من ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحقّ وأهله من الظلم والطمع وغيره ، فواللَّه لقد حشوت مسامعي ما أمرضني وأقلقني فقال : يا أمير المؤمنين إن أمنتني على نفسي أنبأتك بالأمور من أصولها وإلا اقتصرت على نفسي ففيها لي شغل شاغل ، فقال له : أنت آمن على نفسك ، فقال : الَّذي دخله الطمع حتّى حال بينه وبين الحقّ وإصلاح ما ظهر من البغي والفساد في الأرض أنت ، قال : ويحك وكيف يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء في يدي ؟ والحلو والحامض في قبضتي ؟ قال : وهل دخل أحدا من الطمع ما دخلك يا أمير المؤمنين ؟ إنّ اللَّه عزّ وجلّ استرعاك أمور المسلمين وأموالهم فأغفلت أمورهم